الشيخ محمد النهاوندي

34

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ أعلن سبحانه بغاية ضلالهم بقوله : وَمَنْ أَضَلُّ على نفسه مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ وقال قولا أو عمل عملا بشهوة نفسه من دون أن يكون على صحّته حجّة واضحة شرعية أو عقلية . عن الكاظم عليه السّلام - في هذه الآية - قال : « يعني من أتّخذ دينه ورأيه بغير إمام من ائمّة الهدى » « 1 » . ثمّ إنّه تعالى بعد ذمّهم بغاية الضلال هدّدهم بقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلى دين الحقّ ، ولا يوفّق للالتزام به الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ على أنفسهم بالكفر والإصرار على العناد ، بل يشملهم الخذلان الذي هو أشدّ العذاب في الدنيا لاستتباعه أشدّ العذاب في الآخرة . ثمّ بيّن اللّه سبحانه حكمة نزول القرآن نجوما بقوله : وَلَقَدْ وَصَّلْنا لقريش ، وأكثرنا لَهُمُ الْقَوْلَ بانزال آيات القرآن العظيم واحدة بعد واحدة وقطعة بعد قطعة حسبما تقتضيه الحكمة ليتّصل التذكير - عن الكاظم عليه السّلام : « إمام إلى إمام » « 2 » - لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ويتعّظون فيؤمنوا وينقادوا للحقّ ، أو المراد : تابعنا لهم المواعظ والزواجر ، وبيّنا لهم قصص المهلكين قرنا بعد قرن بالعذاب على الكفر وتكذيب الأنبياء لعلّهم يتّعظون ويخافون أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم من الأمم الظالمة المكذّبة للرّسل كقوم نوح وأضرابهم . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 52 إلى 53 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ( 53 ) ثمّ استدلّ سبحانه على صحّة النبوة وصدق القرآن بعجز البشر عن إتيان مثل هذا الكتاب ، أكدّ ذلك بالاستدلال عليهما بايمان علماء أهل الكتاب به بقوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ السماوي كالتوراة والإنجيل ، وأنزلنا عليهم في الزمان السابق على نزول القرآن و مِنْ قَبْلِهِ وآمنوا به حقّ الايمان هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وبكونه كلام اللّه يصدّقون . قيل : نزلت في أناس من أهل الكتاب ، كانوا على شريعة حقّة ، فلمّا بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله آمنوا به منهم سلمان وعبد اللّه بن سلام « 3 » . وحاصل الاستدلال : أنّ المطّلعين على الكتب السماوية لمعرفتهم بصفات القرآن وعلائمه

--> ( 1 ) . الكافي 1 : 306 / 1 ، تفسير الصافي 4 : 94 . ( 2 ) . الكافي 1 : 343 / 18 ، تفسير الصافي 4 : 94 . ( 3 ) . تفسير الرازي 24 : 262 .